عبد الكريم الخطيب

984

التفسير القرآنى للقرآن

فهو في بدء طفولته . . ميت حىّ . . وهو في أرذل عمره حىّ ميت ! وما أدقّ وأبرع قول المعرّى : وكالنّار الحياة . . فمن رماد * أواخرها وأولها دخان فالحياة - كما يصورها المعرى - جذوة من نار ، تبدأ دخانا ، وهو أول ما يكون من النار ، ثم تنتهى إلى رماد ، وهو آخر ما يكون منها . . وفي قوله تعالى : « وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » . . عرض لصورة من صور الإحياء ، والبعث ، يراها أولو الأبصار ، حالا بعد حال ، فيما يسفر عنه وجه الأرض ، من حياة متجددة عليها ، ومن أثواب تلبسها ، وحلى تتحلى بها ، بعد أن كانت أرضا مواتا ، لا معلم من معالم الحياة فيها . . فهذه الأرض الجديب القفر ، يأخذها الإنسان بنظره اليوم ، فإذا هي - كما يرى - موات في موات ، وصمت موحش رهيب ، كصمت القبور . . ثم إذا أصابها الماء ، وغاثها الغيث ، « اهْتَزَّتْ » هزّة الحياة ، ونبضت عروقها ، وسرت الروح في أوصالها . . « وَرَبَتْ » ونمت كما ينمو الطفل . . « وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » فإذا كرّ الناظر إليها بصره كرّة أخرى ، رأى هذا الموات قد أصبح حياة مزهرة مثمرة ، تملأ العين بهجة ومسرّة . فما ذا إذن ينكره المنكرون من بعث الموتى ؟ وهل هذه القبور وما ضمّت عليه من جثث وأشلاء ورفات ، تتراءى فيها صور الآدميين الذين عمروها - هل هذه القبور أبعد من بعث الحياة فيها ، وإخراج خبئها - من الأرض الجديب الميتة ، التي أحياها اللّه ، فاهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ؟ ذلك ما لا يقبله عقل ، ولا يرضاه منطق ! .